>

لم يكن الحديث عن رحلة المنتخب السعودي في تصفيات كأس العالم 2026 مجرد سرد لنتائج أو أرقام عابرة، بل كان أشبه بملحمة كروية عاشها الشارع الرياضي بكل جوارحه. منذ الفوز التاريخي على الأرجنتين في الدوحة، ارتفع سقف التوقعات إلى عنان السماء، وأصبحت الجماهير لا ترضى بمجرد المشاركة، بل تبحث عن حضور يفرض شخصية الكرة السعودية. كان المشوار إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك طويلاً، واختبر صبر وعزيمة اللاعبين والمشجعين في كل مرحلة.

المرحلة الأولى: البدايات وشغف المتابعة

بدأ المشوار في الدور الثاني من التصفيات الآسيوية، حيث تصدر الأخضر مجموعته التي ضمت الأردن، طاجيكستان، وباكستان. في هذه المرحلة، بدأت تبرز الأسماء التي ستحمل العبء الهجومي، مثل صالح الشهري الذي افتتح شريط الأهداف مبكراً، وفراس البريكان الذي كان أشبه بالعازف الذي يلحن الانتصارات في خط المقدمة، إلى جانب تألق الأسماء الشابة مثل مصعب الجوير.

كانت مشاعر الجماهير تميل إلى التفاؤل والاطمئنان النسبي رغم بعض العثرات المبكرة كالخسارة من الأردن. امتدت المتابعة الجماهيرية لتشمل كل تفاصيل الحياة؛ ففي ليالي الشتاء، لم تخلُ المخيمات البرية (الكشتات) في المحميات الطبيعية من شاشات العرض التي نُصبت بين شجيرات الأرطى والغسول. هناك، توافدت الجماهير بسيارات الغمارة المزدوجة (الدبل كابينة) للالتفاف حول النار ومتابعة مباريات الأخضر، لتختلط حماسة التشجيع الرياضي بهدوء الصحراء الممتد.

المرحلة الثانية: عنق الزجاجة واختبار الأعصاب

في الدور الثالث، وجد المنتخب نفسه في مجموعة حديدية ومعقدة ضمت اليابان، أستراليا، إندونيسيا، البحرين، والصين. هنا تحولت مشاعر الجماهير من الاطمئنان إلى القلق والضغط النفسي الشديد. تذبذبت النتائج بشكل أزعج الشارع الرياضي، حيث شهدت المرحلة مباريات أظهرت المنتخب بصورة غير مستقرة؛ خسر الأخضر أمام اليابان وإندونيسيا، وتعادل بصعوبة مع البحرين وأستراليا.

عاشت الجماهير فترات من الخوف الحقيقي على مصير التأهل، ووجهت انتقادات لغياب الاستمرارية. ورغم ذلك، برزت الروح القتالية لبعض النجوم لمحاولة إنقاذ الموقف؛ انطلاقات سعود عبدالحميد السريعة على الرواق الأيمن كانت كالإعصار الذي لا يهدأ، وتضحيات علي لاجامي وحسن كادش في الخط الخلفي، بينما حاول القائد سالم الدوسري قيادة الفريق وسط الأمواج العاتية. لكن التأهل المباشر أفلت من بين أيدي الصقور، ليضطروا إلى خوض غمار الملحق الآسيوي (الدور الرابع) لإنقاذ الحلم المونديالي.

المرحلة الثالثة: ليلة الحسم الكبرى في جدة

في أكتوبر 2025، حبست المملكة أنفاسها. كان الدور الرابع يمثل طوق النجاة الأخير في مجموعة مصغرة ضمت إندونيسيا والعراق. وبعد أن تجاوز الأخضر عقبة إندونيسيا بشق الأنفس بنتيجة (3-2)، جاء الموعد الحاسم والأهم أمام المنتخب العراقي الشقيق يوم 14 أكتوبر على ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة.

كانت المشاعر في تلك الليلة مزيجاً من التوتر الشديد والأمل المتعطش. احتشدت الجماهير في المدرجات لتقديم دعم هائل في مباراة تطلبت أعلى درجات التركيز. كان الأداء متوازناً وحذراً، وظل التعادل السلبي مسيطراً حتى الدقائق الأخيرة التي كادت أن تعصف بأحلام السعوديين إثر هجمة وتسديدة عراقية مباغتة وخطيرة جداً؛ لولا أن ظهر الحارس نواف العقيدي، ليطير في الهواء بتصدٍ إعجازي أبعد به الخطر وأنقذ “كرة التأهل”.

تلك اللحظة الحاسمة تحت الأضواء الكاشفة، بصرخات الجماهير المتفجرة وانفعالات اللاعبين، كانت من المشاهد المهيبة التي يتوق أي محب للتصوير الرياضي إلى تخليدها، حيث تتطلب عدسات سريعة وإعدادات دقيقة لالتقاط الحركة الليلية وتجميد قفزة العقيدي التاريخية التي أمنت العبور.

أبرز النجوم الذين رسموا ملامح التأهل

لا يمكن اختزال هذا الإنجاز دون تسليط الضوء على أبرز من ساهموا في كتابة فصوله:

  • نواف العقيدي: الحارس الذي فرض نفسه كبطل حقيقي في ليلة التأهل، وتصديه التاريخي الذي كان بمثابة تأشيرة العبور.
  • فراس البريكان وصالح الشهري: ثنائي الهجوم الذي سجل أهدافاً حاسمة في أوقات حرجة من التصفيات المبكرة والملحق.
  • سعود عبدالحميد: الظهير الذي لا يعرف الكلل، ومفتاح اللعب الذي اعتمد عليه الأخضر لفك التكتلات الدفاعية.
  • علي لاجامي: صخرة الدفاع الذي قدم تضحيات بدنية هائلة وكان سداً منيعاً أمام هجمات الخصوم.
  • مصعب الجوير: الوجه الشاب الذي أثبت أن مستقبل الكرة السعودية يرتكز على أساس صلب، مبشراً بجيل واعد يتدرج بامتياز من فئات البراعم وتأسيس فرق تحت 15 سنة، وصولاً إلى تمثيل المنتخب الأول بثقة الكبار.

خاتمة انتهى المشوار الآسيوي الشاق بإعلان تأهل المنتخب السعودي رسمياً، لتبدأ الجماهير في تنفس الصعداء والاستعداد لدعم الأخضر في التحدي العالمي الأكبر. لقد أثبتت هذه التصفيات أن طريق الإنجازات ليس مفروشاً بالورود، وأن التكاتف، والروح القتالية، وتجاوز العقبات هي “طريقة العمل” الحقيقية والأساس المتين الذي يبني منتخباً قادراً على كتابة التاريخ من جديد.